عندما يكون الفراق عين الدواء (الطلاق ليس شراً دائماً)
استمع
بسم الله الرحمن الرحيم
أهدي هذا المقال إلى جميع رجال ونساء مجتمعنا، الذين أُكنّ لهم جميعاً كل المحبة والمودة، متمنياً للجميع حياةً سعيدةً وهانئة.
سلسلة القضايا الاجتماعية: عندما يكون الفراق عين الدواء (الطلاق ليس شراً دائماً)
ملخص:
الهدف من هذا المقال هو تبيان حقيقة أن الطلاق ليس دائماً خياراً مبغوضاً أو إعلاناً بالفشل، بل هو في ظروف انسداد سُبُل الإصلاح، آخرُ تدبير عقلاني وشجاع لإنقاذ الإنسان. ففي بعض الأحيان، يكون البقاء في علاقة مُدَمِّرة ثمناً باهظاً يُدفع من صحة الإنسان النفسية وعمره.
تُعدّ قضية الطلاق من المسائل التي تحظى بتحليل دقيق ومُتعدِّد الأبعاد في المعارف الإسلامية وحقوق الأسرة؛ وتبيين هذه المسألة من منظور أصول الفقه والأخلاق الإسلامية يوضح أبعادها بجلاء.
لقد وردت في الأحاديث الإسلامية عبارات مثل: «أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاقُ». ورغم أن هذا اللفظ بحد ذاته قد لا يكون موجوداً في مصادرنا الأساسية بهذا الترتيب، إلا أن ما يقرب منه ورد مستفيضاً؛ ومن ذلك ما نقله المرحوم الكليني في الكافي (ج 6، ص 74) عن الإمام الصادق (عليه السلام):
(مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْمِطْلَاقَ الذَّوَّاقَ).
أي: لا شيء مما أحله الله أبغض إليه من الطلاق، وإن الله يبغض الرجل الذي يُكثر الطلاق، ويتخذ الزواج وسيلةً للتنقل بين النزوات.
هذه الأحاديث، وإن وردت بصيغة ظاهرها العموم، إلا أنها من منظور علم أصول الفقه لا تملك «إطلاقاً»؛ أي أنها لا تشمل جميع حالات الطلاق في كل الظروف. فالنهي والكراهة الشديدة في النصوص ناظران إلى الحالات التي يُقدِم فيها الزوجان على الانفصال دون أدنى محاولة للإصلاح، أو لأسباب تافهة، أو بدافع الهوى والنزوة واللامبالاة.
بل إن نفس الرواية تُبيّن بجلاء الحدّ الفاصل بين الطلاق المذموم والطلاق المشروع؛ فعبارة «وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْمِطْلَاقَ الذَّوَّاقَ» تُصرّح بالعلّة والملاك الأساسي للبغض. فكلمة «مِطْلاق» (الذي ديدنه كثرة الطلاق) إلى جانب «ذَوّاق» (الذي يتخذ الزواج والطلاق أداةً لتتبع الشهوات) تدلّ على أن الغضب الإلهي موجّه نحو سوء السلوك وانعدام المسؤولية. بناءً على ذلك، فالرواية لا تعني أبداً كراهة كل طلاق على الإطلاق، بل المذموم هو ما كان عن نزوة وشطط؛ أما إذا جاء الطلاق بعد استنفاد كل الحلول، للخروج من نفق العُسر والحرج المسدود، وبغية إنقاذ سلامة وهدوء نفسين بشريتين، فإنه حينئذٍ ينسجم تماماً مع الحكمة والتعقل والأحكام الإلهية.
ولهذا السبب بالذات، بوّب صاحب وسائل الشيعة أحد أبواب كتابه بالعنوان التالي:
**«بَابُ كَرَاهَةِ طَلَاقِ الزَّوْجَةِ الْمُوَافِر.
ولو كان الطلاق مبغوضاً في جميع الأحوال على الإطلاق، لما شرع الله سبحانه أحكامه وتفاصيله الدقيقة في سورتي الطلاق والبقرة؛ بل إن القرآن الكريم يُصرّح بالر.
ولو كان الطلاق مبغوضاً في جميع الأحوال على الإطلاق، لما شرع الله سبحانه أحكامه وتفاصيله الدقيقة في سورتي الطلاق والبقرة؛ بل إن القرآن الكريم يُصرّح بالطلاق كحلّ مفرّج في سورة النساء (الآية 130):
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾.
الطلاق بوصفه «العلاج الأخير»:
في القواعد الفقهية والتربوية، يشبه الطلاق التدخل الجراحي أو بتر العضو الفاسد؛ إذ لا يبدأ أي طبيب بالعلاج الجراحي أولاً، ولكن عندما تفشل سائر الأدوية والوسائل، ويصبح بقاء ذلك العضو سبباً في هلاك البدن وتلفه، فإن الجراحة لا تكون أمراً مذموماً، بل تصبح تدبيراً عقلانياً وواجباً حتمياً.
وحين تصل الحياة الزوجية إلى مرحلة يكون استمرارها مصحوباً بالعسر والحرج، أو سوء المعاشرة الشديد، أو الأضرار النفسية والجسدية التي لا تُجبر، وتفشل كل المساعي والمشاورات وتحكيم المصلحين (مصداق الآية 35 من سورة النساء)، يغدو الطلاق حينها مخرجاً حتمياً وعقلانياً.
وفي هذه الحالات، يكون الزوجان هما الأقدر على اتخاذ القرار، إذ ينبغي عليهما تقييم واقعهما بعيداً عن الانفعالات العابرة؛ فإن استنفدا كل سبل الحوار والتغيير، وأيقنا أن الاستمرار لا يثمر سوى ضياع العمر وانهيار الصحة النفسية وأذية الأطفال، فلا يجوز لهما البقاء أسرى للمخاوف الواهية، ويكون اتخاذ القرار الشجاع بالانفصال بالمعروف والإحسان (تسريح بإحسان) عملاً رشيداً وعين الصواب.
إشارة الروايات إلى الطلاق كإجراء عملي:
من اللطيف أن الروايات تناولت هذه المسألة بأفق أوسع؛ فقد روى الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث (حسّنه المجلسي) قوله:
(... أخشى أن أكون كأحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم دعوة: رجل أعطاه الله مالاً فأنفقه في غير حقه... ورجل يدعو على امرأته أن يريحه منها وقد جعل الله عز وجل أمرها إليه؛ ورجل يدعو على جاره وقد جعل الله عز وجل له السبيل إلى أن يتحول عن جواره ويبيع داره).
وفي رواية أخرى عن عمر بن يزيد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في عداد الثلاثة الذين لا يُستجاب لهم:
(... ورجل له امرأة يدعو الله أن يريحه منها ويفرق بينه وبينها، فيقال له: أمرها بيدك خلِّ سبيلها...).
تُبرز هذه الروايات أصلاً جوهرياً في منهج الإسلام العقلاني؛ فالإمام (عليه السلام) يرفض دعاءً يُراد به أن يكون بديلاً عن المبادرة واتخاذ القرار الذي ملّكه الله للإنسان. إن الدين لا يقبل من المرء السلبية والقعود طلباً لحلول غيبية مع وجود أسباب التغيير؛ فكما أن على المتضرر من الجار السيئ الانتقال من مسكنه، فكذلك في الزواج المتعثر: إذا استُنفدت كل محاولات التوفيق، فإن الواجب مواجهة المشكلة بقرار شجاع وفراق كريم بدلاً من الاكتفاء بالدعاء السلبي والشكوى. إن التوكل الحقيقي يستلزم الأخذ بالأسباب المشروعة ثم تفويض النتائج إلى الله، والمؤمن الحق شخص حكيم شجاع يُقدِم ولا يهرب من تحمّل مسؤولياته.
خاتمة:
إن دافع كتابة هذا المقال هو تصحيح فكرة شائعة خاطئة تختزل الطلاق دائماً في صورة الجريمة أو الفشل الذريع، متجاهلةً ما يطرأ على العلاقات من عسر وحرج وبنّيّة مسدودة تستدعي الحلول الحاسمة. والغاية هنا ليست البتة الدعوة إلى الطلاق أو تسهيل تفكك الأسر، بل بيان كونه الدواء الأخير عندما تنعدم الحلول، ويبقى تشخيص الموقف راجعاً إلى الزوجين نفسيهما، فهما الأعلم بخفايا حياتهما وحقيقة واقعهما.
سائلين المولى عز وجل أن يحفظ بيوت المسلمين عامرةً بالمودة والرحمة. ونختم بالبيت القائل:
خُلِقتَ لتكون ينبوع نفعٍ وإحسان / لا لترضى بإيذاء نملةٍ فكيف بإيذاء إنسان
اللهم عجّل لوليّك الفرج.
الشيخ الشیخ مرتضیٰ محمدي
التعليقات (0)
كن أول من يشارك رأيه.