حيث تتنحّى الملائكة
مرتضى محمدي
الخلاصة
إنّ قيمة المؤمن ومنزلته عند الله عظيمةٌ جدًّا
ومن أعجب مظاهر هذا التعظيم الإلهي لحظةُ لقاء صديقين مؤمنين ومعانقتهما وحديثهما الخالص. ففي هذه الخلوة الإيمانية يأمر الله تعالى الملائكةَ الكتبة، احترامًا لمقامهما وتعظيمًا له، بأن يتنحّوا ويبتعدوا عن سماع سرّهما؛ ليكون هو نفسه، بلا واسطة، الشاهدَ والحافظَ والحارسَ لمناجاة المحبّة بين عباده المحبوبين.
مراقبة الملائكة وتسجيل أعمال الناس
من مسلّمات ديننا أنّ الله قد وكّل ملائكةً بكتابة أعمال الناس
وقد ورد هذا الأصل في آياتٍ كثيرة
تأمّلوا الآيات التالية
سورة ق، الآيتان ١٧ و١٨
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿۱۷﴾ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿۱۸﴾
أي: حين يتلقّى الملَكان المتلقّيان الأعمالَ وهما قاعدان عن اليمين وعن الشمال، لا يلفظ الإنسان قولًا إلّا وعنده رقيبٌ حاضرٌ مهيّأٌ لتسجيله.
سورة الانفطار، الآيات ١٠ إلى ١٢
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿۱۰﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿۱۱﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴿۱۲﴾
أي: وقد وُكّل بكم حفظةٌ من الملائكة، كرامٌ كاتبون، يعلمون ما تفعلون.
سورة الزخرف، الآية ٨٠
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
أي: أيظنّون أنّا لا نسمع سرّهم ونجواهم؟ بلى، ورسلنا حاضرون عندهم يكتبون.
سورة الكهف، الآية ٤٩
وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا
أي: ويقولون: يا ويلنا، ما لهذا الكتاب لم يترك عملًا صغيرًا ولا كبيرًا إلّا عدّه وأحصاه.
ولكن من اللافت أنّ هذا الأصل أيضًا، بتعبير علم الأصول، قد خُصّص في بعض الموارد
فهناك مواردُ تنسى فيها الملائكة، لمصالح معيّنة، ما كتبته، أو تُنحّى عن الكتابة أصلًا
وفي دعاء كميل الشريف إشارةٌ موجزةٌ إلى هذه الحقيقة
فَأَسْأَلُكَ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي قَدَّرْتَهَا ...أَنْ تَهَبَ لِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ كُلَّ جُرْمٍ أَجْرَمْتُهُ وَ كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ... وَ كُلَّ سَيِّئَةٍ أَمَرْتَ
بِإِثْبَاتِهَا الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ وَكَّلْتَهُمْ بِحِفْظِ مَا يَكُونُ مِنِّي وَ جَعَلْتَهُمْ شُهُوداً عَلَيَّ مَعَ جَوَارِحِي وَ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيَّ مِنْ وَرَائِهِمْ وَ الشَّاهِدَ لِمَا خَفِيَ عَنْهُمْ وَ بِرَحْمَتِكَ أَخْفَيْتَهُ وَ بِفَضْلِكَ سَتَرْتَهُ
أي: أسألك بالقدرة التي قدّرتها، وبالحكم الذي حتمته وأحكمته، وغلبتَ به من أجريته عليه، أن تهب لي في هذه الليلة وفي هذه الساعة:
كلَّ جرمٍ أجرمته،
وكلَّ ذنبٍ صدر منّي،
وكلَّ قبيحٍ أسررته،
وكلَّ جهلٍ عملته، كتمته أو أعلنته، أخفيته أو أظهرته،
وكلَّ سيّئةٍ أمرتَ الكرامَ الكاتبين بإثباتها؛ أولئك الذين وكّلتهم بحفظ ما يكون منّي، وجعلتهم شهودًا عليّ مع جوارحي،
وكنتَ أنت الرقيبَ عليّ من ورائهم، والشاهدَ لما خفي عنهم، وبرحمتك أخفيته، وبفضلك سترته.
وموضع الشاهد هذه الفقرة:
وَ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيَّ مِنْ وَرَائِهِمْ وَ الشَّاهِدَ لِمَا خَفِيَ عَنْهُمْ وَ بِرَحْمَتِكَ أَخْفَيْتَهُ
فالعبارة تصرّح بأنّ خفاء الشيء على الملَك لا يعني أنّه يخفى على الله أيضًا
وقد قال بعضهم في شرح هذا المقطع من الدعاء إنّ النيّات السيّئة للناس
تخفى على الملائكة
فقد كتب في توضيح
«وَالشّاهِدَ لِما خَفِیَ عَنْهُمْ» ما نصّه:
کالخواطر السیئة والنیات الفاسدة الکاسدة التی لایدرکها الموکّلون ویعلمها الله.
[شرح دعاء كميل، آية الله السيد عبد الأعلى السبزواري، الصفحة ٢٧١]
لكنّه لم يقدّم شاهدًا على هذه الدعوى، وربّما أمكننا القول
إنّ رواياتنا مخالفةٌ لهذا الكلام تمامًا
فقد ورد في روايةٍ عن الإمام الكاظم (عليه السلام)
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَی بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِیهِ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَلَکَیْنِ هَلْ یَعْلَمَانِ بِالذَّنْبِ إِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ یَفْعَلَهُ أَوِ الْحَسَنَةِ؟ فَقَالَ: رِیحُ الْکَنِیفِ وَ رِیحُ الطِّیبِ سَوَاءٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا هَمَّ بِالْحَسَنَةِ خَرَجَ نَفَسُهُ طَیِّبَ الرِّیحِ، فَقَالَ صَاحِبُ الْیَمِینِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ: قُمْ فَإِنَّهُ قَدْ هَمَّ بِالْحَسَنَةِ. فَإِذَا فَعَلَهَا کَانَ لِسَانُهُ قَلَمَهُ وَ رِیقُهُ مِدَادَهُ فَأَثْبَتَهَا لَهُ. وَ إِذَا هَمَّ بِالسَّیِّئَةِ خَرَجَ نَفَسُهُ مُنْتِنَ الرِّیحِ، فَیَقُولُ صَاحِبُ الشِّمَالِ لِصَاحِبِ الْیَمِینِ: قِفْ فَإِنَّهُ قَدْ هَمَّ بِالسَّیِّئَةِ. فَإِذَا هُوَ فَعَلَهَا کَانَ لِسَانُهُ قَلَمَهُ وَ رِیقُهُ مِدَادَهُ وَ أَثْبَتَهَا عَلَیْهِ.
[أصول الكافي، المجلد ٢، الصفحة ٤٢٩]
أي: عن عبد الله بن موسى بن جعفر، عن أبيه (الإمام الكاظم عليه السلام) قال: سألته عن الملَكين الحافظين: هل يعلمان إذا أراد العبد أن يفعل ذنبًا أو حسنة؟
فقال: أريحُ الكنيف وريحُ الطيب سواء؟
قلت: لا.
قال: إنّ العبد إذا همّ بالحسنة خرج نفَسُه طيّب الريح، فيقول صاحب اليمين لصاحب الشمال: قم فإنّه قد همّ بالحسنة. فإذا فعلها كان لسانه قلمَ الملَك وريقُه مدادَه، فأثبتها له.
وإذا همّ بالسيّئة خرج نفَسُه منتن الريح، فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين: قف فإنّه قد همّ بالسيّئة...
على أنّ هذا الظهور للوجه الملكوتي ليس خاصًّا بالملائكة
بل يُستفاد من الروايات أنّ الذنب نفسه له هذه الخاصّية، أي الرائحة المنتنة
ولكن ينبغي أن يكون الإنسان من أهل المعرفة ليستطيع أن يرى هذا النتن، كما كان كثيرٌ من كبار العلماء يرونه
ورد في روايةٍ عن
أَمِير اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ:
إِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ أَهَبَّ اَللَّهُ رِيحاً مُنْتِنَةً يَتَأَذَّى بِهَا أَهْلُ اَلْجَمْعِ حَتَّى إِذَا هَبَّتْ تُمْسِكُ بِأَنْفَاسِ اَلنَّاسِ نَادَاهُمْ مُنَادٍ هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ اَلرِّيحُ اَلَّتِي قَدْ آذَتْكُمْ فَيَقُولُونَ لاَ فَقَدْ آذَتْنَا وَ بَلَغَتْ مِنَّا كُلَّ مَبْلَغٍ قَالَ فَيُقَالُ هَذِهِ اَلرِّيحُ رِيحُ فُرُوجِ اَلزُّنَاةِ اَلَّذِينَ لَقُوا اَللَّهَ بِالزِّنَاءِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَالْعَنُوهُمْ لَعَنَهُمُ اَللَّهُ قَالَ فَلاَ يَبْقَى فِي اَلْمَوْقِفِ أَحَدٌ إِلاَّ قَالَ اَللَّهُمَّ اِلْعَنِ اَلزُّنَاةَ.
ترجمة الغفاري (بالفارسية)
أي: إذا كان يوم القيامة أرسل الله ريحًا منتنةً يتأذّى بنتنها جميع أهل المحشر، حتى تحبس الأنفاس في الصدور، فينادي منادٍ: أتدرون ما هذه الريح المنتنة التي تؤذيكم؟ فيقولون: لا ندري، ولكنّها آذتنا وبلغت منّا كلّ مبلغ. قال: فيقال لهم: هذه الريح من نتن فروج الزناة الذين لقوا الله بالزنا ولم يتوبوا، فالعنوهم لعنهم الله. فلا يبقى في عرصة المحشر أحدٌ إلّا قال: «اللّهم العن الزّناة»، أي: يا ربّ أبعد الزناة عن رحمتك.
[ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، مع أربع ترجمات فارسية، الصفحة ٢٧٦]
فالرواية تصرّح بأنّ لهذا الذنب الكبير مثل هذه الحقيقة الملكوتية، وإن كنّا لا نراها
كما أُشير إلى هذه الحقيقة في القرآن أيضًا
نقرأ في الآية ١٠ من سورة النساء
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
أي: إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنّما يبتلعون في بطونهم نارًا، وسيدخلون نارًا مستعرة.
تبيّن هذه الآية واحدًا من أوضح نماذج تجسّم الأعمال في القرآن. فبحسب هذه الآية، فإنّ مال اليتيم الذي يبدو في الظاهر ثروةً وطعامًا، هو في ملكوته وحقيقته الباطنة نارٌ محرقة. والذين يتصرّفون فيه بغير حقّ إنّما يبتلعون النار في أجوافهم في تلك اللحظة نفسها، لكنّهم لا يحسّون بحرقتها لأنّ الحواسّ الظاهرة هي الغالبة عليهم. فإذا انكشفت الحجب المادّية يوم القيامة ظهرت هذه الحقيقة الباطنة وتجلّت نارًا حقيقيةً في جهنّم.
في أيّ المواضع تنسى الملائكة، بإذن الله القهّار، الأعمالَ التي سجّلوها؟
عند التوبة
من هذه المواضع حين يُقبل العبد على أجمل ما يحبّه الله من الأعمال، أي التوبة
فبحسب أحاديث متعدّدة
يجعل الله العظيم حتى الملائكةَ أنفسهم ينسون ذنوب العبد
وكأنّ كلّ ما كتبوه يُمحى من تلقاء نفسه
فالله لا يغفر الذنب فحسب، بل يمحو أثره من صفحة الوجود ليحفظ ماء وجه عبده.
ولو أنّ الذنب غُفر فقط وبقيت الملائكة والشهود مطّلعين عليه، لبقي الشعور بالخجل في نفس الإنسان. فالله بمحوه هذه الذكرى من أذهان الملائكة والشهود يحفظ ماء وجه الإنسان حتى عند عباده المقرّبين، لئلّا يشعر بالانكسار.
وفي الحقيقة، عندما تُمحى كلّ الآثار والكتابات، تعود علاقة الإنسان بالله إلى حالتها الأولى الطاهرة، كصفحةٍ بيضاء لم يُخطّ عليها سطر. وهذا يُحيي في قلب الإنسان الأمل بالحياة والانطلاق من جديد.
في العلاقات الإنسانية، حتى إذا عفا أحدٌ عن غيره، فإنّه في الغالب لا ينسى خطأه. أمّا الربّ فلا يعفو فحسب، بل يعامل عبده كأنّه لم يقع منه خطأٌ قطّ. وهذا غاية كرمه وكونه ستّار العيوب.
والآن تأمّلوا الأحاديث التالية
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن الإمام علي (عليه السلام):
مَنْ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأُمِرَتْ جَوَارِحُهُ أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْهِ، وَبِقَاعُ الْأَرْضِ أَنْ تَكْتُمَ عَلَيْهِ، وَأُنْسِيَتِ الْحَفَظَةُ مَا كَانَتْ تَكْتُبُ عَلَيْهِ.
أي: من تاب قبل الله توبته، وأُمرت أعضاؤه وجوارحه أن تستر ذنوبه، وأُمرت بقاع الأرض أن تكتمها، وأُنسيت الملائكة الحفظة ما كانت تكتب عليه.
ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الصفحة ١٧٩، باب ثواب التوبة.
والشيخ الكليني (رحمه الله)
نقل عن الإمام الصادق (عليه السلام):
إِذَا تَابَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللَّهُ فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قُلْتُ: وَكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ... فَيَلْقَى اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ شَيْءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ.
أي: إذا تاب العبد المؤمن توبةً خالصةً صادقة (نصوحًا) أحبّه الله، فستر عليه في الدنيا والآخرة. قال الراوي: قلت: وكيف يستر عليه؟ قال: يُنسي ملَكيه ما كتبا عليه من الذنوب... فيلقى الله حين يلقاه وليس شيءٌ يشهد عليه بشيءٍ من الذنوب.
الكافي، المجلد ٢، الصفحة ٤٣٠، باب التوبة، الحديث ١.
ومن الموارد الأخرى، وهو محلّ بحثنا الآن، التي يأمر الله فيها الملائكة بالتنحّي،
حين يجلس مؤمنان معًا ويتحادثان بمحبّة
ففي هذه الحال يأمر الله الملائكة: تنحّوا احترامًا لهذين المؤمنين،
ولا حاجة إلى أن تراقبوا أعماله
فإذا أقدم الإنسان في مثل هذه اللحظة الخالية، التي أزاح فيها الربّ جميع الحجب وأبعد الملائكة ليكرم عبده ويبسط عليه ظلّ رحمته، على الذنب والمعصية، فاغتاب أو قال كلامًا قبيحًا، تضاعف قبح هذا العمل ووقاحته أضعافًا.
ومثل هذا السلوك كمثل أن تذهب إلى بيت أحد أصدقائك،
فيُخرج المضيف، احترامًا لحضورك، جميع أهل البيت، ويجعل البيت خاليًا آمنًا تمامًا، ويضع بين يديك كلّ وسائل الراحة لتكون في راحةٍ تامّة. لكنّك بدل أن تشكر هذا الاحترام والثقة، تقوم في ذلك البيت الخالي نفسه بأعمالٍ يمقتها صاحب البيت؛ فتكسر أثاثه، وتضرم النار في بيته، وتثير غضبه.
وبحسب الروايات أيضًا، فإنّ الله تعالى يُخلي المكان في هذه الحال ويُبعد الملائكة ليُدخل عبده في رحمته. فإذا استغلّ العبد هذه الفرصة الآمنة والخلوة الخاصّة للغيبة والوقيعة والمعصية، فقد أكل الملح وكسر المملحة. فهو لم يحوّل نعمةً عظيمةً إلى نقمةٍ ثقيلةٍ فحسب، بل كفر النعمة وأظهر الوقاحة أمام نظر الربّ الذي هو شاهدٌ عليه وناظرٌ إليه حتى في الخلوة. وكما سيأتي في الأحاديث، قال الإمام (عليه السلام) ودموعه جارية: إنّه وإن كانت الملائكة لا تسمع تلك الكلمات ولا تكتبها، فإنّ الله العالم بالسرّ والخفاء يرى ويسمع.
نصّ الروايات وترجمتها
والآن لننظر في نصّ الرواية
روى الشيخ الكليني (رحمه الله) في باب المعانقة، في الحديث الثاني:
عَلِیُّ بْنُ إِبْرَاهِیمَ عَنْ أَبِیهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ یَحْیَی عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَیْنِ إِذَا اعْتَنَقَا غَمَرَتْهُمَا الرَّحْمَةُ فَإِذَا الْتَزَمَا لَا یُرِیدَانِ بِذَلِکَ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ وَ لَا یُرِیدَانِ غَرَضاً مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْیَا قِیلَ لَهُمَا مَغْفُوراً لَکُمَا فَاسْتَأْنِفَا فَإِذَا أَقْبَلَا عَلَی الْمُسَاءَلَةِ قَالَتِ الْمَلَائِکَةُ بَعْضُهَا لِبَعْضِ تَنَحَّوْا عَنْهُمَا فَإِنَّ لَهُمَا سِرّاً وَ قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَیْهِمَا قَالَ إِسْحَاقُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاکَ فَلَا یُکْتَبُ عَلَیْهِمَا لَفْظُهُمَا وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- ما یَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَیْهِ رَقِیبٌ عَتِیدٌ قَالَ فَتَنَفَّسَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع الصُّعَدَاءَ ثُمَّ بَکَی حَتَّی أَخْضَلَتْ دُمُوعُهُ لِحْیَتَهُ وَ قَالَ یَا إِسْحَاقُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی إِنَّمَا أَمَرَ الْمَلَائِکَةَ أَنْ تَعْتَزِلَ عَنِ الْمُؤْمِنَیْنِ إِذَا الْتَقَیَا إِجْلَالًا لَهُمَا وَ إِنَّهُ وَ إِنْ کَانَتِ الْمَلَائِکَةُ لَا تَکْتُبُ لَفْظَهُمَا وَ لَا تَعْرِفُ کَلَامَهُمَا فَإِنَّهُ یَعْرِفُهُ وَ یَحْفَظُهُ عَلَیْهِمَا عَالِمُ السِّرِّ وَ أَخْفَی.
[أصول الكافي، المجلد ٢، الصفحة ١٨٥]
وقال المجلسي (رحمه الله) في ذيل السند: حسنٌ موثّق.
[مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (عليهم الصلاة والسلام)، المجلد ٩، الصفحة ٧٦]
أي: روى إسحاق بن عمّار عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
إذا تعانق المؤمنان شملتهما رحمة الله وغمرتهما. فإذا التزم أحدهما الآخر، ولم يريدا بذلك إلّا رضا الله، ولم يكن لهما غرضٌ من أغراض الدنيا، قيل لهما: غُفر لكما، فاستأنفا العمل من جديد.
فإذا أقبلا على السؤال عن الأحوال والتحادث، قالت الملائكة بعضها لبعض: ابتعدوا عنهما، فإنّ بينهما سرًّا قد ستره الله.
قال إسحاق: قلت: جُعلت فداك، ألا يُكتب عليهما كلامهما وألفاظهما، وقد قال الله عزّ وجلّ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (أي: ما يتكلّم بكلامٍ إلّا وعنده ملَكٌ رقيبٌ حاضر)؟
[قال إسحاق:] فعند ذلك تنفّس الإمام الصادق (عليه السلام) الصعداء، وبكى حتى ابتلّت لحيته الشريفة من دموعه، ثمّ قال: يا إسحاق، إنّ الله تبارك وتعالى إنّما أمر الملائكة أن تعتزل المؤمنين إذا التقيا إجلالًا لهما وتكريمًا. والملائكة وإن كانت لا تكتب كلامهما ولا تعرف حديثهما، فإنّ الله عالم السرّ وأخفى يعرفه ويحفظه عليهما.
راوي هذا الحديث الشريف هو إسحاق بن عمّار
وكان إسحاق بن عمّار من تجّار الشيعة وأثريائهم المعروفين.
ويُعلم من بعض المصادر الرجالية أنّه كان صيرفيًّا
وقد ورد اسمه في معجم المرحوم الخوئي (رحمه الله) هكذا:
إسحاق بن عمار الصيرفي
معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ج ٣، ص ٢٢٤
والصيرفي هو من كانت مهنته الصرافة
أمّا أصل القصّة، أو ما يُسمّى سبب صدور الحديث، فقد نقله إسحاق نفسه
يقول:
لمّا كثرت أموالي وصرتُ شيئًا فشيئًا من الوجهاء،
أقمتُ على باب داري بوّابًا
وكان ذلك سببًا في أنّ كثيرًا من فقراء الشيعة لم يعودوا يصلون إليه بسهولة.
وقد نقل هذه الرواية المرحوم صاحب الوسائل في تتمّة كتاب الحجّ، أبواب أحكام العشرة في السفر والحضر،
الباب ١٣٠: باب تحريم حجب الشيعة،
الحديث الثاني:
وَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِیَادٍ عَنْ یَحْیَی بْنِ الْمُبَارَکِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَی أَبِی عَبْدِ اللَّهِ ع فَنَظَرَ إِلَیَّ بِوَجْهٍ قَاطِبٍ فَقُلْتُ مَا الَّذِی غَیَّرَکَ لِی قَالَ الَّذِی غَیَّرَکَ لِإِخْوَانِکَ بَلَغَنِی یَا إِسْحَاقُ- أَنَّکَ أَقْعَدْتَ بِبَابِکَ بَوَّاباً یَرُدُّ عَنْکَ فُقَرَاءَ الشِّیعَةِ- فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاکَ إِنِّی خِفْتُ الشُّهْرَةَ قَالَ أَ فَلَا خِفْتَ الْبَلِیَّةَ أَ وَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُؤْمِنَیْنِ إِذَا الْتَقَیَا فَتَصَافَحَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الرَّحْمَةَ عَلَیْهِمَا فَکَانَتْ تِسْعَةً وَ تِسْعِینَ لِأَشَدِّهِمَا حُبّاً لِصَاحِبِهِ فَإِذَا تَوَاقَفَا غَمَرَتْهُمَا الرَّحْمَةُ وَ إِذَا قَعَدَا یَتَحَادَثَانِ قَالَتِ الْحَفَظَةُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ اعْتَزِلُوا بِنَا لَعَلَّ لَهُمَا سِرّاً وَ قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَیْهِمَا فَقُلْتُ أَ لَیْسَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ یَقُولُ
ما یَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَیْهِ رَقِیبٌ عَتِیدٌ فَقَالَ یَا إِسْحَاقُ- إِنْ کَانَتِ الْحَفَظَةُ لَا تَسْمَعُ فَإِنَّ عَالِمَ السِّرِّ یَسْمَعُ وَ یَرَی.
[وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، المجلد ١٢، الصفحة ٢٢٩]
هذه القصّة المؤثّرة
تشير إلى عدّة نكاتٍ مهمّة
١ الإخلاص في المحبّة والمعانقة شرطٌ للقبول
يجعل الإمام (عليه السلام) الإخلاصَ الخالص شرطًا لتساقط الذنوب وشمول الرحمة الإلهية في المعانقة: «لَا يُرِيدَانِ بِذَلِكِ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ وَ لَا يُرِيدَانِ غَرَضاً مِنْ أَغْرَضِ الدُّنْيَا». فإذا لم تكن محبّة الإنسانين أحدهما للآخر قائمةً على المنافع المادّية أو الشهرة أو الأغراض الدنيوية، بل كانت لله وللإيمان خالصة، تحوّل هذا العناق إلى عبادةٍ عظيمةٍ تطهّر من الذنوب السالفة.
٢ حماية الله لحرمة سرّ المؤمنَين
إنّ عبارة «تَنَحَّوْا عَنْهُمَا فَإِنَّ لَهُمَا سِرّاً» تدلّ على احترام الله البالغ لمناجاة الصديقين المؤمنين وحرمتهما الخاصّة. فالله لا يأذن حتى للملائكة المقرّبين وكتبة الأعمال (رقيب وعتيد) بأن يدخلوا حريم أسرار المؤمنين وسؤالهما المحبّ عن أحوال بعضهما، بل يأمرهم بالتنحّي.
سؤال إسحاق بن عمّار وبكاء الإمام (عليه السلام)
سأل إسحاق بن عمّار: أفلا تُكتب الأعمال في ذلك الوقت؟
وقد اقترن جواب الإمام الصادق (عليه السلام) بزفرةٍ عميقة (تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ) وبكاءٍ شديد. وقد يشير هذا الموقف المؤلم من الإمام إلى حقيقتين:
١ بيان عظمة منزلة المؤمن عند الله
وكأنّ الإمام استغرق في هذا المعنى من غير شعور، فبكى لعظمته؛
أي كيف يُنحّي الله ملائكته حفظًا لحرمة المؤمن وكرامته.
٢ غفلة الناس عن هذه القيمة
بمعنى أنّ الإمام بكى لعدم التفات الناس إلى هذا الاحترام،
وإلى أيّ حدٍّ يجهل الناس عظمة الرابطة الإيمانية وكرامة المؤمن عند الربّ.
وفي الحقيقة أراد الإمام أن ينقل تفكير الناس من التمحور حول الملائكة إلى التمحور حول الله
ويُظهر الجواب الأخير للإمام إلى أيّ حدٍّ اعتادت الأذهان أن ترى الله وحاكميته من خلال الوسائط والملائكة فقط.
وكأنّ زفرة الإمام وبكاءه كانا ليبيّن أنّ مؤمنًا بارزًا كإسحاق قد نسي الحضور المباشر بلا واسطة لـ«عالم السرّ»، فظنّ أنّه إذا لم يكن هناك ملَك فلا رقابة ولا حجّة.
وبالنتيجة فإنّ الغفلة عن هذه «الخلوة الخاصّة المباشرة مع الربّ» هي النقطة التي آلمت قلب الإمام الشريف.
أمّا
لماذا أقام إسحاق بن عمّار بوّابًا؟
فيمكن أن يُحلَّل ذلك بتحليلين
١ أنّه لم يقصد قطّ الجفاء أو التكبّر أو مخالفة أمر أهل البيت (عليهم السلام)، بل أخطأ في تشخيص الأولويات والحساب المعنوي.
والشاهد على هذا التحليل أنّ إسحاق بن عمّار كان من المحدّثين البارزين الثقات، وشديد القرب من الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام). ولم يكن ممّن يتعمّد التكبّر على الفقراء عنادًا، أو يتجاهل حقوق إخوانه في الدين.
وكذلك
فإنّ جوابه للإمام (إِنِّی خِفْتُ الشُّهْرَةَ) يدلّ على أنّه كان قلقًا حقًّا من آفةٍ أخلاقية (طلب الشهرة والعُجب). فقد ظنّ أنّه إذا صار بيته ومكتبه محلًّا لتردّد الناس جميعًا بلا أيّ قيد، فقد يشيع اسمه على الألسن رجلًا شديد الثراء أو السخاء، فتعرّض هذه الشهرة إيمانه للخطر.
وفي الحقيقة فقد أخطأ في تشخيص «الأهمّ والمهمّ»، ولم يكن ذلك خطأً متعمّدًا
نعم، قد يكون عن تقصيرٍ وعدم اطّلاعٍ كافٍ،
فقد يرتكب الإنسان أحيانًا خطأً كبيرًا بسبب الجهل وقلّة الاطّلاع، لكنّه على الأقلّ لا يرتكبه عمدًا
وبالنتيجة فإنّ إسحاق، ليتجنّب خطرًا محتملًا وفرديًّا (الشهرة)، أقدم على عملٍ تترتّب عليه مفسدةٌ حتميةٌ واجتماعية (حرمان الفقراء وإيجاد الفاصلة بين المؤمنين).
لقد كان قلقًا من آفة «الشهرة»، لكنّه غفل عن آفةٍ أعظم بكثير، وهي «ردّ المحتاج وكسر قلب المؤمن».
وعتاب الإمام الصادق (عليه السلام) (أَفَلَا خِفْتَ الْبَلِیَّةَ) كان في الحقيقة هزّةً تربويةً لإعادة ضبط ميزان إسحاق في الحساب. فقد ذكّره الإمام بأنّ حفظ حرمة المؤمن وانفتاح باب البيت للمحتاجين أصلٌ حاكمٌ في الإسلام، لا يمكن لأيّ ذريعةٍ (ولو كانت التحرّز من الشهرة) أن تُقصيه.
وعليه، فإنّ لوم الإمام من جنس لوم تلميذٍ بارزٍ مؤمنٍ تحيّر في تشخيص تكليفه واحتاج إلى تذكير معلّمه، لا لوم شخصٍ متكبّرٍ أو غير مبالٍ بالشرع.
ولو كان فعل إسحاق عن سوء نيّةٍ وعناد، لما صرف الإمام وقته في بيان الفلسفة الملكوتية العميقة للمصافحة ولقاء المؤمنين ومجالستهم وتنحّي الملائكة. فكون الإمام، بعد ذلك العتاب، يشرح له واحدةً من أعمق الحقائق المعرفية في باب حرمة المؤمن، يدلّ على أنّ هدفه كان الارتقاء بمستوى فهم إسحاق ومعرفته، لئلّا يقع بعد ذلك أبدًا في مثل هذا الخطأ في تشخيص «الأهمّ والمهمّ».
والشاهد الآخر على هذه الدعوى أنّه في سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، إذا تعامل أحدٌ مع الأحكام الإلهية وحقوق الناس عن تكبّرٍ أو نخوةٍ أو عناد، كان موقف الإمام منه الطردَ التامّ أو اللعن أو القطيعة. أمّا العبوس (بِوَجْهٍ قَاطِبٍ) والعتاب بالكلام، فكانا أسلوب الإمام التربوي الخاصّ لتأديب خواصّ أصحابه والمؤمنين الذين وقعوا في خطأٍ في الحساب وإيقاظهم. فهذا الغضب «غضب المربّي والأب الروحي»، لا «الغضب على الخصم والمنافق».
فمجرّد أنّ الإمام أذن له بالدخول دليلٌ بنفسه على عدم تكبّره وعدم تعمّده في فعله
والقرينة الأخرى أنّه
عندما
يرتكب الناس ذنبًا أو خطأً عن تكبّرٍ أو نخوةٍ أو عناد، فإنّهم في الغالب يُخفون زلّاتهم وما لِيموا عليه، لئلّا تتضرّر وجاهتهم الاجتماعية. أمّا إسحاق بن عمّار فينقل بكلّ شجاعةٍ وتواضع وجهَ الإمام الغاضب، وعتابه، وخطأه هو في الحساب، من غير حذفٍ ولا تحريف. وهذا الكشف الإيماني عن النفس يدلّ على أنّ هدفه كان نقل درس الإمام التربوي إلى الأجيال اللاحقة فحسب، لا حفظ سمعته الظاهرية
وهذا بنفسه دليلٌ على عدم تكبّره
فعندما يقع المؤمن في خطأٍ في التشخيص ثمّ يستيقظ بزجر مربّيه، فإنّ نقل ذلك الخطأ الذي عرفه يكون جزءًا من مسار التوبة والتدارك. وإسحاق بروايته هذه القصّة يريد أن يحذّر الآخرين، ولا سيّما الأثرياء من المؤمنين، من أن يقيموا بينهم وبين المحتاجين جدارًا بذرائع تبدو في ظاهرها مقبولة (كالفرار من الشهرة).
فنقلُ هذه الواقعة كاملةً —حتى الأجزاء التي كانت في الظاهر تضرّ بمكانته الاجتماعية— يدلّ على غاية الأمانة في نقل سنّة المعصوم وسيرته؛ فقد قدّم تعليم الإمام وأدبه على اعتباره الشخصي.
وعليه، فإنّ هذا الفعل من إسحاق بن عمّار يثبت أنّه لم يُقم البوّاب عن عنادٍ أو تكبّر، بل إنّه بعد التنبّه خضع لكلام الإمام بتواضعٍ جعل قصّة زلّته درسًا خالدًا في الأخلاق الإسلامية.
أمّا لماذا عامله الإمام
بشيءٍ من الشدّة،
فسببه واضح:
كان إسحاق بن عمّار محدّثًا كبيرًا وشخصيةً معروفة. ومثل هذا الشخص إذا أخطأ في ترتيب الأولويات، فقد لا يكشف له الكلام الليّن العادي عمق خطئه. فاستقبله الإمام بوجهٍ عابس ليشعر بالصدمة المعنوية من اللحظة الأولى، ويدرك كم كان عمله ثقيلًا عند الله؛ وهو أسلوبٌ يُستعمل تمامًا لإصلاح مؤمنٍ صالحٍ زلّت قدمه.
٢ والتحليل الآخر أنّ إسحاق ربّما كان قد غفل حقًّا في تلك البرهة
ففي التاريخ نماذج كثيرة تدلّ على أنّ الثروة تغيّر الناس شيئًا فشيئًا
والقرآن الكريم يبيّن هذه القاعدة السلوكية في الإنسان بصراحة:
کَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَیَطْغَىٰ ﴿۶﴾ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴿۷﴾ (سورة العلق المباركة، الآيتان ٦ و٧)
أي: ليس الأمر كما ينبغي من شكر الإنسان، بل إنّ الإنسان ليطغى يقينًا إذا رأى نفسه مستغنيًا.
فالثروة والاستغناء الظاهري يورثان ذهن الإنسان، بصورةٍ زاحفةٍ هادئة، شعورًا بالاكتفاء الذاتي. وفي التاريخ نماذج كثيرة لأشخاصٍ لهم سابقة في الإيمان وقربٌ من أهل البيت، أصابهم بعد إقبال الدنيا عليهم تحوّلٌ فكري أو تراجعٌ في دقّتهم الأخلاقية.
وإنّ إطراق الإمام الصادق (عليه السلام) وبكاءه الطويل بعد سؤال إسحاق قد يؤيّد هذا المعنى. فدموع الإمام لم تكن لعظمة المقام الإلهي فحسب، بل لعلّها كانت أيضًا من حرقةٍ وأسفٍ على غفلةٍ أصابت حتى الأصحاب المقرّبين الموسرين؛ غفلةٍ جعلت إسحاق يحصر نظره في دفاتر الملائكة، ويغفل لحظةً عن حاكمية الله الذي يعلم السرّ وأخفى وشهوده.
تكملة الرواية في رجال الكشّي
المرحوم الكشّي
نقل الرواية بتفصيلٍ أكثر
ونقل المرحوم الخوئي (رحمه الله) الحديث أيضًا عن الكشّي
جعفر بن معروف، قال: حدثنا أبو الحسن الرازي، قال: حدثني إسماعيل بن مهران، قال: حدثني سليمان الديلمي، قال: قال إسحاق بن عمار: لما كثر مالي أجلست علي بابي بوابا يرد عني فقراء الشيعة، قال: فخرجت إلي مكة، في تلك السنة فسلمت علي أبي عبد الله ع فرد علي بوجه قاطب غير مسرور، فقلت: جعلت فداك، و ما الذي غير حالي عندك؟، قال ع: الذي غيرك للمؤمنين، قلت: جعلت فداك، و الله إني لأعلم أنهم علي دين الله، و لكن خشيت الشهرة علي نفسي، قال: يا إسحاق أ ما علمت أن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا بين إبهاميهما مائة رحمة، تسعة و تسعون منها لأشدهما حبا لصاحبه، فإذا اعتنقا غمرتهما الرحمة، فإذا التأما لا يريدان بذلك إلا وجه الله، قيل لهما غفر الله لكما، فإذا جلسا يتساءلان، قالت الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا عنهما، فإن لهما سرا و قد ستر الله عليهما، قلت: جعلت فداك، و تسمع الحفظة قولهما و لا تكتبه و قد قال الله عز و جل: (مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّٰا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)؟. قال: فنكس رأسه طويلا، ثم رفعه، و قد فاضت دموعه علي لحيته و هو يقول: يا إسحاق، إن كانت الحفظة لا تسمعه و لا تكتبه، فقد يسمعه و يعلمه الذي يعلم السر و أخفي، يا إسحاق، خف الله، كأنك تراه، فإن شككت في أنه يراك، فقد كفرت، و إن تيقنت أنه يراك، ثم برزت له بالمعصية، فقد جعلته في حد أهون الناظرين إليك.
معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ج ٣، ص ٢١٣
والجمل الأخيرة لم ترد في الكافي
وفيها يقول الإمام (عليه السلام):
أي: يا إسحاق، خف الله كأنّك تراه، فإنّك إن شككت في أنّه يراك فقد كفرت، وإن أيقنت أنّه يراك ثمّ أقبلت على معصيته ومخالفته، فقد جعلته في حدّ أهون الناظرين إليك وأحقرهم.
الشيخ الشیخ مرتضیٰ محمدي
التعليقات (0)
كن أول من يشارك رأيه.